مجمع البحوث الاسلامية

261

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

و ( من ) الثّانية للتّبعيض ، لأنّ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ هو بعض الفجر وأوّله ، ويتعلّق أيضا ب ( يتبيّن ) ، وجاز تعلّق الحرفين بفعل واحد وقد اتّحد اللّفظ لاختلاف المعنى ، ف ( من ) الأولى هي لابتداء الغاية و ( من ) الثّانية هي للتّبعيض . ويجوز أن يكون للتّبعيض للخيطين معا على قول الزّجّاج ، لأنّ الفجر عنده فجران ، فيكون الفجر هنا لا يراد به الأفراد بل يكون جنسا . قيل : ويجوز أن يكون ( من الفجر ) حالا من الضّمير في الأبيض ، فعلى هذا يتعلّق بمحذوف ، أي كائنا من الفجر . ومن أجاز أن تكون ( من ) للبيان أجاز ذلك هنا ، فكأنّه قيل : حتّى يتبيّن لكم الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ الّذي هو الفجر مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ واكتفى ببيان الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ عن بيان الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ لأنّ بيان أحديهما بيان للثّاني . وكان الاكتفاء به أولى ، لأنّ المقصود بالتّبيّن والمنوط بتبيينه الحكم من إباحة المباشرة والأكل والشّرب ، ولقلق اللّفظ لو صرّح به ؛ إذ كأن يكون ( حتّى يتبيّن لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر إلى اللّيل ، فيكون ( من الفجر ) بيانا للخيط الأبيض ، و ( من الّيل ) بيانا للخيط الأسود ، ولكون مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ جاء فضلة ، فناسب حذف بيانه . ( 2 : 50 ) فاضل المقداد : الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ : هو الفجر الثّاني المعترض في الأفق كالخيط الممدود ، و ( الخيط الأسود ) : ما يمتدّ معه من الغبش ، تشبيها بخيطين أبيض وأسود ، وليسا بمستعارين لقوله : ( من الفجر ) ، لأنّ من شرط الاستعارة أن يجعل المستعار منه نسيا منسيّا . روى سهل السّاعديّ أنّها نزلت ولم يكن قوله : ( من الفجر ) ، فكان رجالا إذا صاموا يشدّون في أرجلهم خيوطا بيضا وسودا ، فلم يزالوا يأكلون ويشربون حتّى يتبيّن لهم ، ثمّ نزل لهم البيان في قوله : ( من الفجر ) . فإن صحّ هذا النّقل ففيه دليل على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب ، وهو مذهب الأشاعرة . ومنعه أبو الحسين محتجّا بأنّ الخطاب بما لا يفهم منه المراد عبث ، وهو قبيح لا يصدر عن الحكيم . وفيه نظر ، لجواز أن يكون المراد بالخطاب هو استعداد الامتثال والعزم على فعل المأمور به بعد البيان ، فيثاب على العزم فلا يكون عبثا ، لكن ينبغي أن يكون هذا قبل دخول رمضان ، وإلّا لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة ، وهو باطل إجماعا . ( 1 : 215 ) البروسويّ : هو أوّل ما يبدو من بياض النّهار ، كالخيط الممدود دقيقا ثمّ ينتشر ، مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ : هو ما يمتدّ من سواد اللّيل مع بياض النّهار . فإنّ الصّبح الصّادق إذا بدا يبدو كأنّه خيط ممدود في عرض الأفق ، ولا شكّ أنّه يبقى معه بقيّة من ظلمة اللّيل ؛ بحيث يكون طرفها الملاصق لما يبدو من الفجر كأنّه خيط أسود في جنب خيط أبيض ، لأنّ نور الصّبح إنّما ينشقّ في خلال ظلمة اللّيل ، فشبّها بخيطين أبيض وأسود ، ( من الفجر ) ، أي انشقاق عمود الصّبح بيان للخيط الأبيض ، واكتفى ببيانه عن بيان الأسود لدلالته عليه . والتّقدير : حتّى يتبيّن لكم الخيط الأبيض من الفجر